مجد الدين ابن الأثير
مقدمة 59
البديع في علم العربية
وصار يحمل في محفة « 1 » ، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء وأنشأ رباطا بقرية من قرى الموصل تسمى ( قصر حرب ) ، ووقف أملاكه عليه وداره التي كان يسكنها بالموصل « 2 » ، ولزم منزله راضيا بما قضي له ، قانعا بما قدّر له من الرزق ، يغشاه الناس لفضله والرواية عنه « 3 » . علاجه : قال ابن خلكان : ( حكى أخوه عز الدين أبو الحسن علي : أنه لما أقعد جاءهم رجل مغربيّ والتزم أنه يداويه ويبرئه مما هو فيه ، وأنه لا يأخذ أجرا إلا بعد برئه ، فملنا إلى قوله ، وأخذ في معالجته بدهن صنعه ، فظهرت ثمرة صنعته ، ولانت رجلاه ، وصار يتمكن من مدّهما ، وأشرف على كمال البرء فقال لي : أعط هذا المغربيّ شيئا يرضيه واصرفه ، فقلت له : لماذا ؟ وقد ظهر نجح معالجته « 4 » ، فقال : الأمر كما تقول ، ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم ، وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدّعة ، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذل نفسي بالسعي إليهم ، وها أنا [ ذا ] اليوم قاعد في منزلي ، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءونى بأنفسهم لأخذ رأيي ، وبين هذا وذاك كثير ، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض ، فما أرى زواله ولا معالجته ، ولم يبق من العمر إلا القليل ، فدعني أعيش باقيه حرا سليما من الذل ، وقد أخذت منه بأوفر الحظ . قال عز الدين : فقبلت قوله ، وصرفت الرجل بإحسان ) « 5 » .
--> ( 1 ) شذرات الذهب ( 5 / 22 ) . ( 2 ) وفيات الأعيان ( 4 / 142 ) . ( 3 ) إنباه الرواة ( 3 / 259 ) . ( 4 ) في وفيات الأعيان ( معافاته ) ، والتصحيح من : مرآة الجنان ( 4 / 13 ) . ( 5 ) وفيات الأعيان ( 4 / 142 - 143 ) ، وانظر : إنباه الرواة ( 3 / 259 ) ، ومرآة الجنان ( 4 / 13 ) .